المامقاني
321
غاية الآمال ( ط . ق )
في الجملة ولعلّ مستنده الإطلاقات الدالة على شرعية المعاملات من دون تقييد فيها بما يدلّ على الاختصاص بالبالغين مثل قوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » وقوله ( عليه السلام ) الصّلح جائزين للمسلمين وأمثالهما ولم يثبت تقييد من الخارج هذا ويجرى عليه ما أورد على التمسك بالإطلاقات للقول الثاني ثم إن مستند القول المشهور من الاشتراط البلوغ في المتعاقدين هو أصل أعني أصالة فساد المعاملة وعدم ترتب الأثر عليها الَّذي هو عبارة عن انتقال مال كلّ من المالكين إلى الأخر في البيع و ( قس ) عليه الحال فيغيره من العقود وفيه الكفاية ما لم يقم دليل على الصّحة و ( لكنك ) خبير بان لعمومات والإطلاقات الواردة في العقود وافية بالخروج عن الأصل المزبور الا ان يثبت تخصيصها أو تقييدها بما يقتضي خروج عقد الصّبي الا ان يقال إنها قد تطرق إليها الوهن بكثرة التخصيص مضافا إلى ما تعرّفه في كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) من الاخبار قوله وفي معناها روايات أخر منها رواية هشام عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام وهو أشده وان احتلم ولم يونس منه رشده وكان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله قوله ويشهد له الاستثناء في نقض تلك الأخبار بقوله الا أن يكون سفيها أشار به إلى رواية عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال إذا بلغ أشده ثلث عشر سنة ودخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المسلمين احتلم أم لم يحتلم وكتبت عليه السّيئات وكتبت له الحسنات وجاز له كلّ شيء الا أن يكون ضعيفا أو سفيها ووجه شهادة الاستثناء هو ان استثناء السفيه انما هو من الاستقلال فلا يجوز له ذلك ولهذا قالوا إنه لو أذن له الولي في النكاح الذي فيه مصلحته التي سوغت للولي الإذن فيه جاز ان عين له المهر والزوجة ونحو ذلك بحيث يؤمن معه من إتلاف المال بلا خلاف و ( كذلك ) الحال في البيع فيجوز للولي الإذن فيه مع تعيين العوضين على المشهور كما يجوز له إجازة البيع الذي أوقعه إذا رأى المصلحة فيه عند الأكثر خلافا لما حكى عن الشيخ ( رحمه الله ) والقاضي في كل من صورتي الإذن السابق والإجازة اللاحقة فحكما ببطلان البيع في الصورتين ومن هنا علم أن استشهاد ( المصنف ) ( رحمه الله ) بالاستثناء انما يتم على مذهب الأكثر لا على مذهب الشيخ ( رحمه الله ) والقاضي الذي قد يحكى عن غيرهما ( أيضا ) قوله ففيه أولا ان الظاهر منه قلم المؤاخذة لا قلم جعل الأحكام أورد عليه بعض المعاصرين بان الظهور المزبور على وجه يضرّ بالمطلوب ممنوع ولو بقرينة فيهم المشهور وبقرينة جعله علة لكون عمدهما خطاء تحمله العاقلة كما فيظاهر بعض النصوص المروية عن قرب الإسناد فإن ذلك لا يتم إلا بإرادة ما هو أعم من رفع الإثم من رفع القلم والا فلا وجه بذلك أصلا ورأسا وأقرب ما يراد به رفع قلم البالغ وان لم يترتب عليه أثم بل انما ترتب عليه حكم وضعي كنقل المال عنه واليه ونحو ذلك فإذا ارتفع عنه ذلك ( مطلقا ) لم يكن لعقده أثر أصلا ورأسا ولعل ذكر النائم ونحوه مشعر بإرادة ذلك فان المرفوع عنه انما هو قلم المستيقظ لا ( مطلقا ) وكذا عن المجنون قلم العاقل وهكذا لا ان ( مطلقا ) القلم مرتفع عنه و ( حينئذ ) فلا ينافي ثبوت ضماناتهم وعقوباتهم وتقريراتهم وشرعية عباداتهم ونحو ذلك مما هو عام لجميع الحالات أو خاص بحال الصبا ونحوه هذا مع إمكان إرادة الثاني والتزام التخصيص بذلك كله الا انه بعيد جدا بل قد يقطع بعدمه ولكن قد يورد على الأوّل بإمكان منع كون تأثير العقد من قلم البالغ كي يرتفع عنه فلعله من قلم الصّبي ( أيضا ) كجنايته وإتلافه وقد يدفع بعدم العبرة بمجرد الإمكان ما لم يقم عليه برهان ثم قال وقد يراد من رفع القلم ارتفاع العقوبة الأخروية والدنيوية المتعلقة بالنفس كالقصاص أو بالمال كغرامة الدية من ماله فإذا قصد ذلك لم يترتب عليه ذلك كما يترتب على البالغ لو قصد ذلك و ( حينئذ ) فلو عقد ولو بإذن الولي لم يترتب عليه عقوبة كدفع العوض من ماله وليس ذلك الا لسلب اعتبار قصده وعدم العبرة وإنشائه ولو بإذن وليه وفيه ان ذلك مع بعده في نفسه ومع عدم صدق العقوبة على دفع العوض عرفا مستلزم لعدم ضمانه بإتلافه لمال غيره والتزام التخصيص بذلك كالمقطوع بعدمه كالتزام اللازم كما عن ظاهر بعض ولعلَّه لذا قيل بأنه معلول لقوله ( عليه السلام ) عمدهما خطاء يعنى انه لما كان قصدهما بمنزلة العدم في نظر الشارع في الواقع رفع القلم عنهما و ( حينئذ ) فيختص دفع القلم بالأفعال التي يعتبر في المؤاخذة عليها قصد الفاعل فيخرج عنه مثل الإتلاف وتدخل فيه العقود والإيقاعات الا انه مع شدة بعده في نفسه موقوف على عموم قوله ( عليه السلام ) عمدهما خطأ لغير الجنايات الا انه ممنوع في الخبر المزبور وإني مسلم في غيره كما لا يخفى على المتدبر فيه انتهى أقول الإنصاف ان حديث رفع القلم مجمل محتمل لمعان ثلاثة رفع قلم المؤاخذة ورفع قلم جعل الأحكام ( مطلقا ) ورفع قلم أحكام البالغين بالنسبة إلى الصّبي والقدر المتيقن منه رفع قلم المؤاخذة فلا مجال للاستدلال به على ما زاد على ذلك قوله لكن الإنصاف ان جواز الأمر في هذه الرّوايات ظاهر في استقلاله في التصرف إلى قوله وكذا لوقع إيجاب النكاح أو قبوله لغيره بإذن وليه قال بعض المعاصرين قد تدفع هذه المناقشة بعدم القول بالفصل كما اعترف به جماعة ممن تأخر بين أذن الولي وعدمها وبين كون العقد على ماله أو مال غيره والتردد أو الخلاف السابق غير قادح فيه وبان المراد من أمره تصرّفه الفعلي أو القولي وهذا معنى سلب عبارته الذي اشتهر التعبير به في كتب الأصحاب على وجه لا تنفعه إجازة الولي ولا إذنه ولا أجازته بنفسه بعد بلوغه لعدم قابليته للتأثير و ( حينئذ ) فلا جهة للمناقشة ( أيضا ) بأنه لا منافاة بين صحة عقده وبين عدم دفع المال إليه كما وقع لبعضهم ولكن لا شاهد على إرادة ذلك مع تسليم ظهور خلافه عرفا انتهى وأنت خبير بأنّ الوجهين في مرتبة دعوى لا شاهد ( صح ) عليها ان لم يقم الشاهد على خلافها فتدبر قوله ولذا بنينا كالمشهور على شرعية عبادات الصّبي يعني لكون المراد برفع القلم هو رفع قلم المؤاخذة قلنا بشرعية عباداته وذلك لان إطلاقات العبادات وغيرها مثل قوله ( عليه السلام ) الصّلوة قربان كل تقى والصوم جنة من النار مما ليس مشتملا على الإيجاب والإلزام شاملة لكل من كان قابلا للإتيان بها ومثلها قوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » والصّلح جائز بين المسلمين ومن تلك الجملة الصّبي المميّز فلا بدّ في خروجه عن تحتها من مقيّد على حد خروج المسافر عن إطلاق الأمر بالصّوم والهم عن إطلاق الصّلوة الجمعة والعبد عن إطلاقات الأمر بالنكاح وأمثال ذلك وينبغي تفصيل القول في شرعية عبادات الصبي فنقول ان المراد به الصّبي المميّز والصّبي الغير المميّز فلا خلاف لهم في سقوط عباداته وعباراته عن درجة الاعتبار كما لا يخفى و ( حينئذ ) نقول إنهم اختلفوا في كون عبادة الصّبي المميز شرعية مستندة إلى أمر الله يستحق من أجلها الثواب ( صح ) أو تمرينية واستظهر في الرياض من عبارة المنتهى عدم الخلاف في شرعيتها بيننا قال فيها ويصحّ الصّوم من الصّبي المميّز وفاقا للشيخ ( رحمه الله ) جماعة منهم الفاضلان بل يظهر من ثانيهما في المنتهى عدم خلاف فيه بيننا فإنه قال لا خلاف بين أهل العلم في شرعية ذلك لان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )